ابن أبي شريف المقدسي

62

المسامرة شرح المسايرة في العقائد المنجية في الآخرة

التشريف والإكرام ) والمعنى : أنه وضع في الأرض للتقبيل والاستلام ، تشريفا له كما شرفت اليمين وأكرمت بوضعها للتقبيل دون اليسار في العادة ، فاستعير لفظ اليمين للحجر لذلك ، أو لأن من قبّله أو استلمه فقد فعل ما يقتضي الإقبال عليه والرضا عنه ، وهما لازمان عادة لتقبيل اليمين . والحاصل أن لفظ اليمين استعير للحجر للمعنيين أو لأحدهما ، ثم أضيف إضافة تشريف وإكرام . وهذا الحديث أخرجه أبو عبيد القاسم بن سلّام « 1 » بلفظه ، وروى ابن ماجة « 2 » نحوا من معناه من حديث أبي هريرة مرفوعا ، ولفظ : « من فاوض الحجر الأسود فإنما يفاوض يد الرحمن » . وهذا التأويل لهذه الألفاظ ( لما ذكرنا من صرف فهم العامة عن الجسمية ، وهو ممكن أن يراد ولا يجزم بإرادته خصوصا ، على قول أصحابنا ) يعني الماتريدية ( أنها ) أي : الألفاظ المذكورة ( من المتشابهات ، وحكم المتشابه انقطاع رجاء معرفة المراد منه في هذه الدار ) دار التكليف ( وإلا ) أي : وإن لا يكن ذلك بأن كان معرفته في هذه الدار موجودة « 3 » مرجوة ( لكان قد علم ) لمن حصلت له من العباد ، وذلك ينافي القول بأن الوقف في الآية على قوله : إِلَّا اللَّهُ ( سورة آل عمران : 7 ) وهو قول الجمهور . واعلم أن كلام إمام الحرمين في « الإرشاد » « 4 » يميل إلى طريق التأويل ، ولكنه في « الرسالة النظامية » « 5 » اختار طريق التفويض ، حيث قال : « والذي نرتضيه رأيا وندين اللّه به عقدا اتّباع سلف الأمة ، فإنهم درجوا على ترك التعرّض لمعانيها » وكأنه رجع إلى اختيار التفويض لتأخر الرسالة .

--> ( 1 ) أبو عبيد القاسم بن سلام بن عبد اللّه ، الإمام المجتهد الحافظ ، كان أبوه مملوكا روميّا لرجل هروي ، ولد أبو عبيد سنة 157 ه ، سمع من كثيرين ؛ من إسماعيل بن جعفر وشريك بن عبد اللّه وهشيما وسفيان بن عيينة وغيرهم . له تصانيف كثيرة ، سارت بها الركبان ، وحدث عنه كثيرون . توفي بمكة سنة 224 ه . [ سير أعلام النبلاء ، 15 / 492 ] . ( 2 ) أخرجه ابن ماجة برقم 2957 ، في سنده حميد بن أبي سوية ، قال فيه الذهبي : مجهول ، وقال فيه ابن عدي في الكامل 2 / 274 : أحاديثه غير محفوظة ، والحديث انفرد به ابن ماجة . ( 3 ) ليست في ( ط ) . ( 4 ) انظر : الإرشاد ، ص 155 - 164 . ( 5 ) انظر : الرسالة النظامية ، ص 32 .